محمد بن وليد الطرطوشي

104

سراج الملوك

يا أمير المؤمنين : ناشدتك الله أن تقدم إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، وقد دعيت إليها وليس لك فيها نصيب . يا أمير المؤمنين : إنّك تموت وحدك ، وتحاسب وحدك ، وإنك لا تقدم إلا على نادم مشغول ، ولا تخلف إلا مفتونا مغرورا ، وإنك وإيّانا في دار سفر ، وجيران ظعن « 1 » . ولما حجّ سليمان بن عبد الملك استحضر أبا حازم « 2 » فقال له : تكلّم يا أبا حازم ، فقال : فيم أتكلم ؟ قال : في الخروج من هذا الأمر . قال : يسير إن أنت فعلته ، قال : وما ذاك ؟ قال : لا تأخذ الأشياء إلا بحقّها ، ولا تضعها إلا في أهلها ، قال : ومن يقوى على ذلك ؟ قال : من قلّده الله من الأمر ما قلّدك . قال : عظني يا أبا حازم ، قال : يا أمير المؤمنين : إنّ هذا الأمر لم يصل إليك إلا بموت من كان قبلك ، وهو خارج عنك بمثل ما صار إليك ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، نزّه ربّك في عظمته عن أن يراك حيث نهاك ، أو يفقدك حيث أمرك . يا أمير المؤمنين : إنّما أنت سوق « 3 » ، فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر ، فاختر لنفسك أيّهما شئت . قال : فما لك لا تأتينا ؟ قال : وما أصنع بإتيانك ؟ إن أدنيتني فتنتني ، وإن أقصيتني « 4 » أحزنتني ، وليس عندي ما أخافك عليه ، ولا عندك ما أرجوك له . قال : فارفع إلينا حوائجك . قال : قد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها « 5 » ، فما أعطاني منها قبلت ، وما منعني منها رضيت ، يقول الله تعالى : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ الزخرف : 32 ] ، فمن ذا الذي يستطيع أن ينقص من كثير ما قسم الله ، أو أن يزيد في قليل ما قسم الله . قال : فبكى سليمان بكاء شديدا . فقال رجل من جلسائه : أسأت إلى أمير المؤمنين . قال أبو حازم : اسكت ، فإن الله تعالى أخذ ميثاق العلماء ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه . ثم خرج من عنده ، فلما وصل إلى منزله ، بعث إليه بمال ، فردّه ، وقال للرسول : قل له : يا أمير المؤمنين ؛ والله ما أرضاه لك ، فكيف أرضاه لنفسي ؟ !

--> ( 1 ) ظعن : راحلون ، يقال : ظعنوا عن ديارهم : رحلوا عنها . ( 2 ) استحضر أبا حازم : أي أمر بحضوره ، وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج ، سبق تعريفه . ( 3 ) أنت سوق : أي أنت مثل السوق التي يباع فيها . ( 4 ) أدنيتني : قرّبتني . أقصيتني : أبعدتني . ( 5 ) رفعها لمن هو أقدر منه : أي طلب حاجته من الله سبحانه وتعالى .